دراسة متكاملة حول العدالة الانتقالية في سوريا تناقش آليات كشف الحقيقة، المساءلة، التعويضات وإصلاح المؤسسات، مع دروس مستفادة من تجارب دولية مماثلة وخارطة طريق لتحقيق المصالحة الوطنية والسلام المستدام.

‎مقال لـ أحمد الطُبل

بعد سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأوَّل 2024، تواجه سوريا فرصة تاريخيّة لتطبيق العدالة الانتقاليّة كمدخل أساسيّ لبناء دولة القانون. تقدِّم هذه المقالة رؤية لآليّات العدالة الانتقاليّة في السياق السوريّ، مركَّزة على الخطوات العمليّة المطلوبة لتحقيق التوازن بين العدالة والاستقرار، مع تحليل للإطار القانونيّ المطلوب وبرنامج تنفيذيّ متدرِّج يراعي تعقيدات الواقع السوريّ ما بعد الاستبداد.

كَبِداية:
العدالة الانتقاليّة هي مجموعة من الإجراءات القضائيّة وغير القضائيّة التي تعالج إرث انتهاكات حقوق الإنسان في فترات التحوّل السياسيّ.
في سوريا، تكتسب العدالة الانتقاليّة أهمّيّة استثنائيّة لمعالجة جراح الماضي وبناء مستقبل يليق بالسوريّين. من خلال آليّات متكاملة كلجان الحقيقة والمساءلة والتعويضات وإصلاح المؤسّسات، بحيث يمكن تحقيق انتقال سلميّ نحو دولة القانون والمواطنة المتساوية.

‎“لا يمكن بناء وطن جديد على أساسات من الظلم”

مدخل: العدالة الانتقاليّة كَضَرورة وطنيّة

مع سقوط نظام الأسد في الثامن من كانون الأول 2024، انفتح أمام السوريّين باب التغيير الّذي ناضلوا من أجله لعقود. لكنَّ هذا الانفتاح يضعنا أمام مسؤوليّة تاريخيّة لمعالجة إرث الانتهاكات الممنهجة الَّتي استمرَّت لأكثر من نصف قرن، وتأسيس نظام سياسيّ جَديد يَضمَن عدم تكرارها.

العدالة الانتقاليّة ليسَت ترفاً فكرياً أو مجرَّد شعار، بل هي منظومة متكاملة من الآليّات والإجراءات الضروريّة لانتقال سوريا من دولة الاستبداد إلى دولة القانون. وفي هذا السياق، تقتضي الحكمة السياسيّة تبنّي مقاربة براغماتيّة للعدالة الانتقاليّة، تراعي خصوصيّة الحالة السوريّة وتعقيداتها.

خصوصيّة السياق السوريّ بعد سقوط النظام

تتميَّز الحالة السوريّة بخصوصيّة تجعل من تطبيق العدالة الانتقاليّة تحدّياً استثنائيّاً:

  1. إرث مزدوج من الاستبداد والحرب: يواجه السوريّون إرثاً مركَّباً من حكم استبداديّ استمرّ 54 عاماً، وحرب دمويّة امتدَّت لأكثر من 13 عاماً، إضافةً الى التدخُّلات الدوليّة في كافّة محاور الحرب السوريّة، ممّا يُعَقِّد عمليّة المساءلة ويوسِّع نطاق الانتهاكات.
  2. انهيار المؤسَّسات: تدمير البُنية التَحتيّة المؤسَّساتيّة للدولة وانهيار مرافقها الأساسيّة، مِمَّا يُضعِّف القدرة على تطبيق برامج العدالة الانتقاليّة.
  3. التشتُّت السُكّانيّ: وجود ملايين اللاجئين والنازحين الَّذين يصعُب إشراكُهم في عمليّة العدالة الانتقاليّة دون آليّات خاصّة.
  4. انهيار المؤسَّسات: تدمير البنية التحتيّة المؤسَّساتيّة للدولة وانهيار مرافقها الأساسيّة، ممّا يُضعِف القدرة على تطبيق برامج العدالة الانتقاليّة.
  5. تعدُّد الفاعلين والمسؤوليّات: بالإضافة إلى جهاز الدولة وأجهزتها الأمنيّة، ظَهَرَت جماعات مُسلَّحة مُتعدِّدة ارتكبت انتهاكات، إلى جانب تدخُّلات إقليميّة ودوليّة مُتعدِّدة.
  6. تمزُّق النسيج الاجتماعيّ: تعمُّق الانقسام المُجتَمَعيّ على أُسُس طائفيّة وإثنيّة وسياسيّة، ممّا يجعل مَهمّة المصالحة الوَطَنيّة أكثَر إلحاحاً وتعقيداً.

هذه الخصوصيّة تَستَدعي مُقارَبة مُتوازِنة للعدالة الانتقاليّة، تُراعي ضَرورة تحقيق العدالة مِن جِهة، وإعادة بناء السلم الأهليّ من جِهة أُخرى.

المُقاربة البراغماتيّة للعدالة الانتقاليّة في سوريا

أولاً: التدرُّج والمَرحَليّة في التطبيق

مِن الضروريّ الاعتراف بأنَّ تَطبيق العدالة الانتقاليّة لا يُمكن أن يَكون دَفعة واحدة، بل يتطلَّب خِطّة مُتَدَرِّجة، تتضمَّن -من وجهة نظري- ثلاث مراحل أساسيّة:

المرحلة الأولى (الإجراءات العاجلة – 6 أشهر الأولى): وتركّز على:

  • وقف الانتهاكات الجارية وحماية المدنيّين
  • تأمين وحماية الوثائق والأدلّة، واتِّخاذ إجراءات استثنائيّة لحمايتها من الإتلاف
  • إنشاء الهياكل المؤسَّساتيّة الأوّليّة للعدالة الانتقاليّة

المرحلة الثانية (المدى المتوسِّط – 6 اشهر -3 سنوات): وتشمل:

  • إطلاق لجنة الحقيقة والمُصارحة
  • بدء برامج التعويضات الأوّليّة
  • إنشاء المحاكم المتخصِّصة
  • التطهير المؤسَّسيّ للمتورِّطين في انتهاكات جَسيمة

المرحلة الثالثة (المدى البعيد – 3-10 سنوات): وتتضمَّن:

  • الإصلاح المؤسَّسيّ الشامل
  • استكمال برامج التعويضات
  • تنفيذ برامج المُصالحة الوَطنيّة
  • بناء وترسيخ ثقافة حقوق الإنسان وسيادة القانون

ثانياً: الموازنة بين المساءلة والمصالحة

تقتضي البراغماتيّة السياسيّة إدراك أن المساءلة الشاملة قد تكون مستحيلة في السياق السوريّ، لذا يجب التركيز على:

  • المسؤوليّة الفَرديّة لا الجماعيّة: تجنُّب العقوبات الجماعيّة ضدّ طائفة أو منطقة جُغرافيّة أو فِئة اجتماعيّة.
  • الاستهداف الاستراتيجيّ: التركيز على كبار المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة، خاصّة الجرائم ضد الإنسانيّة وجرائم الحرب.
  • آليّات المُحاسبة المتعدِّدة: عدم الاقتصار على المحاكمات الجنائيّة، بل تبنّي آليّات متنوِّعة كالإفصاح عن الحقيقة مقابل العفو المشروط في بعض الحالات.

ثالثاً: المنهج الاقتصاديّ

مع الانهيار الاقتصاديّ الحاليّ، يجب تبنّي نهج واقعيّ في برامج التعويضات:

  • البدء ببرامج تعويضات رمزيّة ومعنويّة لا تتطلَّب موارد ماليّة كبيرة
  • إنشاء آليّات تمويل مُبتكرة تشمل المساعدات الدوليّة واسترداد الأموال المنهوبة
  • تقديم خدمات تعويضيّة غير مباشرة (تعليم، رعاية صحّيّة، إعادة تأهيل)
  • إعطاء الأولويّة للفئات الأكثر تضرُّراً

رابعاً: إدماج المجتمع الدوليّ مع الحفاظ على السيادة الوطنيّة

تتطلَّب تعقيدات الحالة السوريّة تعاوناً دوليّاً، مع الحفاظ على المُلكيّة الوطنيّة للعمليّة:

  • الاستفادة من الخبرات والتمويل الدوليّ دون السماح بفرض أجندات خارِجيّة
  • تبنّي نماذِج مُختَلَطة تَجمع بَين العناصِر الوَطَنيّة والدوليّة
  • إشراك المجتمع الدوليّ كضامِن للاتّفاقياّت وراعٍ للعمليّة
  • توظيف الآليّات الدوليّة القائمة مثل الآليّة الدوليّة المُحايدة والمستقلّة للمُساعَدة في التحقيق

“العدالة الانتقالية ليست مجرد إجراءات قانونية، بل هي مشروع مجتمعي يسعى لمعالجة الماضي وبناء المستقبل على أسس العدالة والسلام المستدام.”

المنظومة القانونيّة المطلوبة للعدالة الانتقاليّة في سوريا

تتطلَّب العدالة الانتقاليّة إطاراً قانونيّاً مُتكاملاً. فيما يلي استعراض للقوانين الأساسيّة المَطلوبة، مع توضيح مضمونها ومبرِّرات أهمّيّتها:

  1. قانون إطار العدالة الانتقاليّة : يحدد الإطار المفاهيميّ والمؤسَّسيّ للعدالة الانتقاليّة، ويؤسِّس الهيئة العُليا المشرفة على تنفيذها.

المضمون الأساسيّ

– تعريف العدالة الانتقاليّة وأهدافها في السياق السوريّ

– تحديد الفترة الزمنيّة المشمولة (1970-2024)

– إنشاء هيئة عليا للعدالة الانتقاليّة ذات صلاحيّات واسعة

– تحديد آليّات العدالة الانتقاليّة الأربعة: الحقيقة، المساءلة، التعويضات، الإصلاح المؤسَّسيّ

– ضمان استقلاليّة الهيئة مالياً وإدارياً

– ضمان تمثيل متوازن للمكونات السوريّة في الهيئة

– تحديد علاقة الهيئة بالسلطات الثلاث (التنفيذية، التشريعية، القضائية)

الأهمّيّة: يمثل هذا القانون المظلة العامة لمنظومة العدالة الانتقاليّة، ويضمن تكامل آليّاتها وعدم تضاربها. كما يوفِّر الإطار المؤسَّسيّ لإدارة العملية برمتها.

  1. قانون لجنة الحقيقة والمُصارحة: ينشئ لجنة وطنيّة تتولَّى كَشف حقائق الانتهاكات وتوثيقها، مع صلاحيّات واسعة للتحقيق وجمع الشهادات.

المضمون الأساسي

– تشكيل لجنة وطنيّة مستقِلّة للحقيقة وَالمُصارَحة تضمّ شَخصيّات وَطَنيّة مَشهود لها بالنزاهة

– تحديد صلاحيّات اللجنة للتحقيق واستدعاء الشهود والوصول للوثائق

– إنشاء آليّة لحماية الشهود والضحايا

– تحديد مدّة عمل اللجنة (3-5 سنوات)

– وضع معايير للعفو المشروط مقابل الاعتراف الكامل بالانتهاكات

– إلزام مؤسَّسات الدولة بالتعاون مع اللجنة

– نشر تقارير دوريّة وتقرير نهائيّ عن عمل اللجنة

– تضمين توصيات ملزمة في التقرير النهائيّ

الأهمّيّة: تُشكِّل لجنة الحقيقة العمود الفقريّ لعمليّة العدالة الانتقاليّة، فهي تؤسِّس لرواية وطنيّة جامعة عن الماضي، وتقطع ثقافة الإنكار، وتعترف بمعاناة الضحايا، وتوفِّر الأساس المَعرفيّ لِباقي آليّات العدالة الانتقاليّة.

  1. قانون التعويضات وجبر الضرر: يؤسّس برنامجاً وطنياً لتعويض ضحايا الانتهاكات مادياً ومعنوياً، ويحدّد فئات المستحقّين وآليّات التعويض.

المضمون الأساسي

– إنشاء صندوق وطنيّ للتعويضات ذي موارد مستدامة

– تحديد فئات الضحايا المستحقّين للتعويض (الشهداء، المُعتَقَلون، المُختَفون قَسريّاً، ضحايا التعذيب، المُهَجَّرون، ضحايا العنف الجِنسيّ …)

– وضع معايير موضوعيّة لتقدير التعويضات المادّيّة

– شمول التعويضات المعنويّة (الاعتذار الرسميّ، إحياء الذكرى)

– برامج إعادة التأهيل النفسيّ والجَسَديّ

– تقديم خدمات صحّيّة وتعليميّة لعائلات الضحايا

– إنشاء لجان متخصِّصة لتقييم طلبات التعويض

الأهمّيّة: يُعَدّ الاعتراف بمعاناة الضحايا وتقديم التعويض المُناسب لَهُم شَرطاً أساسيّاً لاستِعادة ثِقَتِهم في مؤسَّسات الدولة. كما يُساهم هذا القانون في تحقيق نوع من العدالة التوزيعيّة للمُتَضَرِّرين من الانتهاكات.

  1. قانون استرداد المُمتَلَكات والتعويض عنها: يُعالِج قضايا مُصادَرة المُمتَلَكات والاستيلاء عليها لأسباب سياسيَة، ويضع آليّات استردادها أو التعويض عنها.

المضمون الأساسيّ

– إنشاء هيئة خاصّة بقضايا الملكيّة والأراضي

– إلغاء القوانين الَّتي استُخدِمَت لِمُصادَرة المُمتَلَكات لِأسباب سياسيّة

– تبسيط إجراءات استرداد المُمتَلَكات

– قُبول أشكال مُتعَدِّدة من الأدِلّة لإثبات المُلكيّة

– آليّات خاصّة للتعامُل مَع العقارات المُدَمَّرة

– تقديم تعويض عادِل في حال استِحالة إعادة المُمتَلَكات

– إنشاء مَحاكِم مُتخَصِّصة لِلبَتّ في النِزاعات العَقاريّة

– إجراءات خاصّة لِحِماية ممتلكات اللاجئين والنازحين

الأهمّيّة: إعادة الممتلكات المُصادَرة تُشَكِّل عُنصُراً أساسيّاً في العدالة الانتقاليّة، خاصّةً في سياق التهجير القسريّ واسع النطاق. كما تُعتَبَر أساسيّة لِعودة اللاجئين والنازحين وإعادة بناء الاقتصاد.

  1. قانون الفحص والتدقيق (التطهير المؤسَّسيّ): ينظّم عمليّة فحص سجلّات الموَظَّفين العُموميّين واستبعاد المتورِّطين في انتهاكات جسيمة.

المضمون الأساسيّ

– تحديد المناصِب العامّة الَّتي تَخضَع لِلفَحص والتدقيق

– وضع معايير موضوعيّة للاستبعاد من الوظائف العامّة

– إنشاء لجنة مُستَقِلّة لِلفَحص والتدقيق

– ضمان الحَقّ في الطعن والمُراجَعة القَضائيّة

– تَحديد فَترة زَمَنيّة لِتَطبيق القانون

– تطبيق تَدريجيّ لِتفادي إفراغ المؤسَّسات مِن الكفاءات

– تحديد عُقوبات بَديلة غير الاستبعاد الكامِل (تَخفيض رتبة، نقل وَظيفيّ)

الأهمّيّة: يهدف هذا القانون إلى تنقية المؤسَّسات العامّة من المتورِّطين في انتهاكات جَسيمة، مِمّا يُساهِم في استعادة ثقة المواطِنين في هذه المؤسَّسات ويمنع تكرار الانتهاكات. ولكن يجب تطبيقه بحكمة لتفادي تجربة اجتثاث البَعث الفاشِلة في العراق.

  1. قانون إصلاح القطّاع الأمنيّ: يُعيد هَيكَلة المؤسَّسات الأمنيّة وفق مَعايير احتِرام حُقوق الإنسان وَالخُضوع للرَّقابة المَدَنيّة.

المضمون الأساسيّ

– تفكيك الأجهزة الأمنيّة الَّتي ارتكبَت انتهاكات مُمَنهَجة

– إعادة هيكلة القطّاع الأمنيّ وِفق معايير الحَوكمة الديمقراطيّة

– وضع الأجهزة الأمنيّة تحت الرقابة المَدَنيّة

– إنشاء هيئات رقابة مُستَقِلّة على القطاع الأمنيّ

– وَضع مُدَوَّنات سُلوك مُلزِمة لِِأفراد الأجهِزة الأمنيّة

– تدريب إلزاميّ على احترام حقوق الإنسان

– مَنع التعذيب وآليّات الوقاية منه

– تحديد معايير جَديدة للتَوظيف في القطاع الأمنيّ

الأهمّيّة: شكَّلت الأجهزة الأمنيّة أداة القمع الرئيسيّة للنظام السابق، لِذا فإنَّ إصلاحَها شَرط أساسيّ لِبِناء نِظام ديمقراطيّ. هذا القانون يهدِف إلى تَحويل هذه الأجهِزة مِن أدوات لحِماية النظام إلى مؤسَّسات تَخدِم المواطِن وَتَحمي الدستور.

  1. قانون الذاكرة الوَطَنيّة وَعَدَم التكرار: يؤسِّس لِبرامج حِفظ الذاكرة وتَخليد الضحايا، وضَمان عدم تكرار الانتهاكات من خلال التَوعية والتثقيف.

المضمون الأساسيّ

– إنشاء مَتاحف ونصب تَذكاريّة توَثِّق الانتهاكات

– تَطوير مَناهِج تَعليميّة تَتَضَمَّن تاريخ الانتهاكات ودروسها

– تَخصيص أيّام وَطَنيّة لإحياء ذكرى الضحايا

– حِفظ الأرشيف الوَطَنيّ للانتهاكات وإتاحته للباحِثين

– تجريم إنكار الانتهاكات الجَسيمة

– برامج توعية مُجتَمَعيّة حَول الانتهاكات وآثارها

– توثيق شهادات الضحايا والشهود

الأهمّيّة: يهدِف هذا القانون إلى ضمان عَدَم تكرار الانتهاكات من خلال الحفاظ على الذاكرة الجماعيّة. التاريخ يُظهر أن المجتمعات الَّتي تَنسى انتهاكات ماضيها معرَّضة لِتكرارها في المستقبل.

دروس عمليّة من تجارب مقارنة

تُقَدِّم التجارب الدوليّة دروساً عَمَليّة يُمكِن الاستفادة منها في السياق السوريّ:

  1. تجربة جنوب أفريقيا: المُصالَحة كَمَدخَل للعدالة

شهدت جنوب أفريقيا في الفترة ما بين 1990-1994 اضطرابات عنيفة خلال الانتقال من نظام الفصل العنصريّ (الأبارتهايد) إلى الديمقراطيّة. تميَّزت هذه الفترة بِصِراعات دَمَويّة بَينَ أنصار المؤتمر الوَطَنيّ الأفريقيّ وحِزب إنكاثا، مَع قَمع مَنهَجيّ مِن قوّات الدَولة، أسفَرَت عن مَقتَل أكثَر من 14,000 شَخص. انتَهَت هَذِهِ الفَترة بانتِخابات ديمُقراطيّة وَتأسيس نَموذج فريد لِلعَدالة الانتقاليّة.

الدرس الرئيسيّ: نَجَحَت جنوب أفريقيا في تحقيق انتقال سلميّ من خلال التركيز على كشف الحقيقة والاعتراف، وتقديم عفو مشروط للمُعتَرِفين بانتهاكاتهم. يُمكن لسوريا الاستفادة من هذا النموذج خاصّةً مع المُنتَسبين للمُستويات الدنيا والمتوسِّطة من النظام السابق، مع التركيز على الاعتراف الكامل والصادق كَشَرط لِلعَفو ضِمنَ الإطار القانونيّ (قانون لجنة الحقيقة والمُصارَحة)

  1. تجربة البوسنة: العدالة في سياق انقسام هويّاتي

اندَلَعَت الحرب الأهليّة في البوسنة والهرسِك (1992-1995) إثرَ تَفَكُّك يوغوسلافيا وإعلان البوسنة استِقلَالَها. مَثَّلَت الحَرب صِراعاً إثنيّاً ودينيّاً بَين البوسنيّين المُسلمين والصرب الأرثوذكس والكروات الكاثوليك، وَشَهِدت جَرائم تَطهير عِرقي وَحِصار سراييفو الَّذي استمرَّ 1,425 يوماً.

الدرس الرئيسيّ: واجهت البوسنة تحدّي تطبيق العدالة الانتقاليّة في مُجتَمَع مُنقَسِم طائفيّاً، واعتَمَدت على مزيج من المَحاكِم الدوَليّة وَالوَطَنيّة، مَع تَركيز خاصّ على تَوثيق الانتهاكات. يُمكن لِسوريا الاستفادة من هذا النموذج من خلال تَبَنّي نموذج المحاكِم المُختَلَطة (قُضاة سوريّون وَدوَليّون)، مع إيلاء أهمّيّة خاصّة للتوثيق الدقيق للانتهاكات.

  1. تجربة تشيلي: التدرُّج الزَمَنيّ في تَحقيق العَدالة

بدأت أزمة تشيلي بانقلاب عَسكَريّ قادَهُ الجنرال بينوشيه في 11 سبتمبر 1973 ضِدَّ حُكومة سلفادور أليندي المُنتَخَبة ديمُقراطيّاً. أعقَبَ الانقلاب 17 عاماً من الديكتاتوريّة العَسكَريّة (1973-1990) تَمَيَّزَت بِقَمع مَنهَجيّ لِلمُعارَضة، وتَعذيب واختِفاء قَسريّ لِأكثَر مِن 3,000 شَخص، وَمُلاحَقة عَشَرات الآلاف. مَثَّلَت العَودة للديمُقراطيّة في 1990 بِداية مَسار طويل لِلعَدالة الانتِقاليّة.

الدرس الرئيسيّ: قدَّمت تشيلي نموذَجاً في التدرُّج، حيثُ بَدأت بِكَشف الحقيقة وَالتعويضات، ثمَّ انتقلت إلى المُساءَلة القضائيّة لاحقاً عندما سمحت الظروف السياسيّة بِذَلِك. يُمكِن لِسوريا الاستفادة من هذا النموذج بِتَبَنّي آليّات مُتَدَرِّجة تهدِف إلى تَطبيق العدالة الانتقاليّة بِشَكل متوازِن تِبعاً للظُروف.

خاتمة: العدالة الانتقاليّة كَنَهج براغماتيّ للمستقبل السوريّ

تُمَثِّل العدالة الانتقاليّة في سوريا ضَرورة وَطَنيّة لِتَجاوز إرث الاستبداد وَالحرب، وَبِناء دولة المواطَنة والقانون. لكنَّ نجاح هذهِ العمليّة يتطلَّب مُقارَبة براغماتيّة تُراعي تَعقيدات الواقع السوريّ.

نحنُ اليَوم أمام فُرصة تاريخيّة لا يَنبَغي تضييعُها. سُقوط نِظام الأسد لَيس نِهاية المَطاف، بل بداية مَسار طَويل نَحوَ بِناء سوريا الجَديدة. وَكَما تُظهِر التجارِب الدوليّة، فإنَّ العدالة الانتقاليّة ليست وصفة جاهِزة، بل هيَ عمليّة تتطلَّب الصَبر والمُثابَرة والتَكَيُّف المُستَمِرّ مَع المُتَغيّرات السياسيّة والاجتماعيّة.

العدالة الانتقاليّة ليسَت مُجرَّد آليّات تقنيّة، بل هيَ مَشروع مُجتَمَعيّ بامتياز، يَسعى إلى مُعالَجَة الماضي دونَ الانغماس فيه، والتطلُّع نَحوَ المُستَقبَل دونَ التنكُّر لِلمَصائب الَّتي مَرَرنا بِها كَشَعب.

فلنتذكَّر أنَّ الهَدَف النِهائيّ لِلعَدالة الانتقاليّة ليس الانتقام، بل بناء مُجتَمَع تَسودُه العدالة والكرامة الإنسانيّة، مُجتَمَع لا يتكرَّر فيه الاستبداد بأيّ شَكل مِن الأشكال.

المصادر

  1. Teitel, R. G. (2000). *Transitional Justice*. Oxford University Press.
  2. Hayner, P. B. (2010). *Unspeakable Truths: Transitional Justice and the Challenge of Truth Commissions*. Routledge.
  3. Van der Merwe, H., Baxter, V., & Chapman, A. R. (Eds.). (2009). *Assessing the Impact of Transitional Justice: Challenges for Empirical Research*. United States Institute of Peace Press.
  4. Roht-Arriaza, N., & Mariezcurrena, J. (Eds.). (2006). *Transitional Justice in the Twenty-First Century: Beyond Truth versus Justice*. Cambridge University Press.
  5. Syria Justice and Accountability Centre. (2020). *State of Justice in Syria 2020*.
  6. International Center for Transitional Justice. (2018). *Transitional Justice in Syria: Options and Strategies*.
  7. United Nations Human Rights Council. (2020). *Report of the Independent International Commission of Inquiry on the Syrian Arab Republic*.
  8. The Day After Project. (2012). *The Day After: Supporting a Democratic Transition in Syria*.